محمد سالم أبو عاصي
120
علوم القرآن عند الشاطبي من خلال كتابه المواقف
الأخرى مسلّمة للرواية فيها ، ذاهبة في تحقيق الظاهر منها مذهبا يكاد يفضي بهم إلى القول بالتشبيه . ونحن نرغب عن الأمرين معا ، ولا نرضى بواحد منهما مذهبا ، فيحق علينا أن نطلب لما يرد من هذه الأحاديث - إذا صحت من طريق النقل والسند - تأويلا يخرّج على معاني أصول الدين ومذاهب العلماء ، ولا تبطل الرواية فيها أصلا إذا كانت طرقها مرضيّة ونقلتها عدولا . قال أبو سليمان : ذكر القدم هنا يحتمل أن يكون المراد به قدّمهم اللّه للنار من أهلها ، فيقع بهم استيفاء عدد أهل النار ، وكل شيء قدمته فهو قدم ، كما قيل لما هدّمته : هدم ، ولما قبضته : قبض ، ومن هذا قوله عزّ وجلّ : أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ [ سورة يونس : 2 ] ، أي ما قدموه من الأعمال الصالحة ، ويؤيده قوله في الحديث : « وأما الجنة ؛ فإن اللّه ينشئ لها خلقا » . . فاتفق المعنيان : أن كل واحدة من الجنة والنار تمدّ بزيادة عدد يستوفى بها عدة أهلها ، فتمتلئ عند ذلك " « 1 » . وقال الحافظ ابن حجر : " أكثر السلف - لعدم ظهور أهل البدع في أزمنتهم - يفوضون علمها إلى اللّه تعالى ، مع تنزيهه - سبحانه وتعالى - عن ظاهرها الذي لا يليق بجلال ذاته . وأكثر الخلف يؤولونها ، بحملها على محامل تليق بذلك الجلال الأقدس والكمال الأنفس ؛ لاضطرارهم إلى ذلك ، لكثرة أهل الزيغ والبدع في أزمنتهم ، ومن ثمّ . . قال إمام الحرمين : لو بقي الناس على ما كانوا عليه ؛ لم نؤمر بالاشتغال بعلم الكلام ، وأما الآن ؛ فقد كثرت البدع ، فلا سبيل إلى ترك أمواج الفتن تلتطم " . . إلى أن قال : " والحاصل أن السلف والخلف مؤولون ؛ لإجماعهم على صرف اللفظ عن ظاهره . ولكن تأويل السلف إجمالي ؛
--> ( 1 ) معالم السنن ، الخطّابي ، 5 / 95 .